عبد اللطيف البغدادي

29

الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر

وقرأت بخطِّ بعض المحصِّلين ، أنه قاس العمود بقاعدتيه فكان اثنتين وستين ذراعا وسدس ذراع ، وهو على جبلٍ طوله ثلاث وعشرون ذراعا ونصف ذراع فصارت جملة ذلك خمسا وثمانين ذراعا وثلثي ذراع ، وطول القاعدة السفلى اثنتا عشرة ذراعا ، وطول القاعدة العليا سبع أذرع ونصف ذراع ، وقاس أيضا المنارة فوجدها مائتي ذراع وثلاثا وثلاثين ذراعا وهي ثلاث طبقات : الطبقة الأولى مربعة وهي مائة ذراع وإحدى وعشرون ذراعا ، والطبقة الثانية مثمنة وطولها إحدى وثمانون ذراعا ونصف ذراع ، والطبقة الثالثة مدورة وطولها إحدى وثلاثون ذراعا ونصف ذراع ، وفوق ذلك مسجد ارتفاعُه نحو عشر أذرع . ومن ذلك ، الآثار التي بمصر القديمة ، وهذه المدينة بالجيزة وهي مَنَف التي كان يسكنها الفراعنة وكانت مستقر مملكة ملوك مصر ، وإياها عني بقوله تعالى عن موسى عليه السلام : [ ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها ] ، وبقوله تعالى : [ فخرج منها خائفا يترقب ] لأن مسكنه عليه السلام كان بقريةٍ بالجيزة قريبة من المدينة تسمى دموة وبها اليوم ديرٌ لليهود ، ومقدار خرابها اليوم مسيرة نصف يوم أو نحوه ، وقد كانت عامرةً في زمن إبراهيم ويوسف وموسى عليهم السلام ، وقبلهم بما شاء الله تعالى ، وبعدهم إلى زمن بختنصَّر ، فإنه أخرب ديار مصر وبقِيَت على خرابه أربعين سنة ، وسبب خرابه إيّاها أنّ ملكها عصم منه اليهود ، حين التجأوا إلى مصر ، ولم يمكن منهم بختنصَّر فقصده بختنصَّر وأباد دياره ، ثم جاء الإسكندر بعد ذلك واستولى عليهم ، وعمَّر بها الإسكندرية وجعلها مقرَّ الملك ، ولم تزل على ذلك إلى أن جاء الإسلام ففتحت على يد عمرو بن العاص ، وجعل مقر الملك بالفسطاط ، ثم جاء المعزُّ من المغرب ، وبنى القاهرة وجعلها مقر الملك إلى اليوم ، وقد ذكرنا ذلك مشروحا مفصلا في الكتاب الكبير ، ولنرجع إلى وصف مَنَف المسمّاة مِصر القديمة : فهذه المدينة مع سعتها وتقادُمِ عهدها وتداوُل الملل عليها واستئصال الأمم إيّاها ، مِن تعفيةِ آثارها ومحو رسومها ونقل حجارتها وآلاتها ، وإفساد أبنيتها وتشويه صورها ، مُضافاً إلى ما فعلته فيها أربعةُ آلاف سنة فصاعداً تجد فيها من العجائب ما يفوتُ فهم الفَطِن المتأمِّل ، ويحسر دون وصفه البليغ اللَّسن ، وكلما زدته تأملا ، زادك عجباً ، وكلما زدته نظراً زادك